الشيخ محمد رشيد رضا
404
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حال المكذبين بآيات اللّه في سياق إقامة الحجج عليهم ، وليس فيها ذكر للآخرة ولا هي واردة في سياق الجزاء ، واسناد الاضلال إلى اللّه تعالى لا يقتضي اخراجها عن ظاهرها فمثله في القرآن كثير ومن نكت البلاغة في الآية ان قوله تعالى ( صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ ) في معنى قوله تعالى في سورة البقرة ( 2 : 7 و 170 صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) * فلماذا سردت الصفات الثلاث في البقرة مفصولة ووصلت كلها بالعطف في آية الاسراء ( 27 : 97 ) التي ذكرناها آنفا ، وعطفت الثانية على الأولى هنا دون قوله ( فِي الظُّلُماتِ ) الذي هو في معنى الثالثة ؟ لم أر لاحد كلاما في الفرق بين هذه الآيات ولكن ذكر في روح المعاني ان العطف بين الصم والبكم لتلازمهما وتركه فيما بعدهما للايماء إلى أنه كاف للاعراض عن الحق . والذي يظهر لنا في المقابلة ان ترك العطف في آيتي البقرة لبيان ان هذه الصفات لاصقة بالموصوفين بها مجتمعة في آن واحد - والأولى منهما في المختوم على قلوبهم الميئوس من ايمانهم من المنافقين وغيرهم ، والثانية في المقلدين الجامدين - وكل منهما لا يستمع الدعوة الحق عند تلاوة القرآن وغيره ولا يسأل الرسول ولا غيره من المؤمنين عما يحوك في قلبه ويجول في ذهنه من الكفر والشك ، ولا يطق بما عساه يعرف من الحق ، ولا يستدل بآيات اللّه المرئية في نفسه ولا في الآفاق ، فكأنه أصم أنكم أعمى في آن واحد ، وأما الآية التي نفسرها فهي في مشركي مكة ولم يكونوا كلهم من المختوم على قلوبهم الميئوس من ايمانهم ، ولا من المقلدين الجامدين الذين لا ينظرون في شيء من الآيات الإلهية المنزلة والمكونة ، بل كان منهم الجامد على التقليد والاعراض عن سماع القرآن حتى كأنه أصم ( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ) ومنهم من يسمع ويعلم أنها الحق ولكنه لا ينطق بما يعلم عنادا ، فهذان فريقان منفصلان عطف أحدهما على الآخر لبيان هذا الانفصال . وقوله « فِي الظُّلُماتِ » إما حال منهما لبيان ان كلا منهما خابط في الظلمات المشتركة كظلمتى الشرك والجهل ، أو الخاصة بفريق دون آخر كظلمتي التقليد والكبر ، فبعض المقلدين غير مستكبرين وهم الفقراء ، وبعض المستكبرين غير جامدين على تقليد الآباء ، وإما صفة لكم فيكون المكذبون المحكي عنهم قسمين